الأمطار الأخيرة في المغرب: بين الفيضانات والفرص – قراءة في آثارها وتداعياتها
المقدمة
عرف المغرب خلال الأسابيع الماضية موجة من الأمطار الغزيرة والاستثنائية، كانت كفيلة بإحداث تغييرات واضحة على مستوى البيئة، المجتمع، الاقتصاد، والبنى التحتية. بعد سنوات من الجفاف الممتد لأكثر من سبع سنوات، جاءت هذه التساقطات لتمنح البلاد موارد مائية مهمة، لكنها في الوقت نفسه أظهرت هشاشة بعض المناطق أمام التغيرات المناخية الشديدة.
في هذا المقال سنتناول:
📌 أسباب هطول هذه الأمطار
📌 جوانب الفيضانات وتأثيرها
📌 الفوائد التي قد تحققها هذه التساقطات
📌 الدروس والتحديات في مواجهة طقس متطرّف
1. من الجفاف الطويل إلى الأمطار الغزيرة
في بداية عام 2026 أعلن المغرب عن نهاية فترة الجفاف الطويلة التي امتدت لسبع سنوات، وذلك بعد هطول كميات أمطار أثرت بشكل حقيقي في معدلات التساقط السنوية ورفعت مستويات السدود بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات السابقة.
سجلت عدة مناطق أمطارًا استثنائية تراكمت في بعض المناطق إلى أكثر من 200 مم، وهو رقم كبير مقارنة بمتوسطات الطقس السنوي في أجزاء من شمال وغرب البلاد.
2. الفيضانات وتأثيرها الميداني
أ. الفيضانات الحضرية
في العديد من المدن المغربية، أدت الأمطار المفاجئة إلى احتجاز المياه في الشوارع وتحويلها إلى مجاري مائية مؤقتة، وهو ما ظهر بوضوح في مدن مثل سلا التي غُمرت شوارعها بالمياه، وتعطل المرور فيها بشكل كبير.
ب. إجلاء السكان
في المناطق الشمالية، وخاصة في سيدي قاسم، القصر الكبير، وسيدي سليمان، اضطرّت السلطات إلى إجلاء أكثر من 150,000 شخص من مساكنهم بسبب ارتفاع منسوب المياه التي غمرت الأحياء وقطعت الطرق الأساسية.
ج. فيضانات الريف والمنخفضات
الأمطار الغزيرة رفعت منسوب الأودية والأنهار مثل وادي لوكّوس، مما نتج عنه غمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وانقطاع الكهرباء في بعض المناطق، وتعطيل الدراسة مع توقف المدارس لأيام في بعض المدن المتضررة.
3. الخسائر البشرية والمادية
رغم أن بعض التساقطات كانت ضمن المعدلات المتوقعة من الجهات الرسميّة، إلا أن بنية المدن والقرى لم تكن مهيأة لاستيعاب هذه الكميات من مياه الأمطار، مما أدى إلى خسائر في الأرواح والممتلكات.
-
في مدينة آسفي وحدها، تسبّبت أمطار قوية في فيضانات مفاجئة أدّت إلى وفاة العشرات من الناس وإصابة العشرات الآخرين، بالإضافة إلى تدمير مبانٍ ومنازل.
-
في مناطق أخرى ظهرت أضرار كبيرة في المنازل، السيارات، والمزارع.
تُظهر هذه الأحداث هشاشة بعض البنى التحتية أمام تساقطات قوية، وهو أمر يحتم مراجعة خطط البناء وأنظمة الصرف الصحي في المدن والقرى.
4. الطابع الإيجابي للأمطار على الموارد المائية
على الرغم من الدمار، فإن هذه الأمطار حملت أثرًا إيجابيًا مهمًا على المدى المتوسط والطويل:
أ. ارتفاع منسوب السدود
بفضل الأمطار الغزيرة، ارتفعت مستويات العديد من السدود بشكل ملحوظ، حيث وصل بعضها إلى حوالي 67% من سعته الإجمالية، وهو رقم يحسّن كثيرًا من الوضع المائي مقارنة بالعام الماضي.
ب. تعزيز احتياطات المياه
الزيادة في مخزون السدود توفر فرصًا لدعم الزراعة خلال الموسم القادم، وتخفف من الضغط على المياه الجوفية التي استنزفت طوال سنوات الجفاف.
ج. تحسين فرص الزراعة
الخبراء يشيرون إلى أن هذه الأمطار قد تحسن من إنتاجية المحاصيل الزراعية، خاصة الحبوب، بعد موسم جفاف طويل. كما أن المياه التي دخلت الأرض قد تساهم في إعادة تغذية المياه الجوفية.
5. تغير المناخ وتأثيره على أنماط الأمطار
الأمطار القوية ليست ظاهرة عشوائية، بل جزء من تأثيرات تغير المناخ العالمي التي تجعل أنماط الطقس أكثر تقلبًا. ارتفاع درجات الحرارة في المحيطات والبحار يؤدي إلى زيادة الرطوبة الجوية، مما يجعل الكتل الهوائية المحملة بالماء أكثر كثافة وقدرة على تساقط كميات كبيرة في فترة قصيرة.
هذا لا يعني أن الأمطار الحادة ستصبح حدثًا يوميًا، لكنها مؤشر على زيادة عدم الاستقرار في الطقس.
6. ما الدروس المستفادة؟
من خلال متابعة الأمطار والفيضانات في المغرب يمكن استخلاص عدد من الدروس:
أ. ضرورة تحسين البنية التحتية
يحتاج المغرب إلى تحديث شبكات الصرف الصحي، وتوسيع مجاري الأنهار الداخلية، وتأهيل الطرق لمنع قطعها خلال الفيضانات.
ب. تنظيم العمران في المناطق المنخفضة
السكان الذين يعيشون في منخفضات ووديان عرضة لخطر أكبر، لذلك يجب تنظيم العمران بعيدًا عن هذه المسارات المائية المهمة.
ج. التنبؤ والتواصل
تعزيز قدرات الأرصاد الجوية وتحسين نظم الإنذار المبكر يمكن أن يقلل من الخسائر في الأرواح والممتلكات.
د. التكيف مع تغير المناخ
يجب وضع سياسات وطنية تدمج التكيف مع الطقس المتطرف كجزء أساسي في التخطيط الحضري والزراعي.
7. سيناريو المستقبل
إذا ظلّ تغير المناخ يتسارع، فقد يشهد المغرب في السنوات القادمة نوبات أمطار أكثر حدة، متبوعة بفترات جفاف طويلة. هذا التباين يزيد من الحاجة إلى سياسات مائية مرنة وأنظمة صرف متينّة تحمي المدن والقرى من تأثيرات الطقس القاسي.
الخاتمة
الأمطار الأخيرة في المغرب كانت حدثًا مركبًا؛ فهي من جهة جاءت كفرصة لتعويض سنوات الجفاف الطويلة وتعزيز الموارد المائية، ومن جهة أخرى كشفت عن ضعف بعض البنى التحتية في مواجهة الطقس المتطرّف. تتطلب التغيرات في نمط الهطولات في المغرب التفكير بعمق في التنمية المستدامة، وتحسين التكيّف مع التقلبات المناخية التي باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
